الرئيسية التسجيل     مكتبي البحث


العودة   منتدى الحراك الجنوبي > الأقسام الثقافية > منتدى الشعر والنثر الأدبي


يتيمة ابن زريق البغدادي احدى روائع الشعر العربي

منتدى الشعر والنثر الأدبي


إنشاء موضوع جديد  إضافة رد
المنتدى المشاركات الجديدة ردود اليوم شاهدة المشاركات المشاركة التالية
 
أدوات الموضوع طريقة عرض الموضوع
قديم 25-05-2012, 03:56 AM رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
«ابومعاذ المطري»
قلم جديد

إحصائية العضو






 

ابومعاذ المطري غير متواجد حالياً

 


المنتدى : منتدى الشعر والنثر الأدبي
افتراضي يتيمة ابن زريق البغدادي احدى روائع الشعر العربي

هذه قصيدة ابن زريق البغدادي احدى روائع الشعر العربي
سوف اورها لكم ثم ارفق شرحها حيث شرحا كثير من الكتاب وبعظهم قام با اعرابها كامله قصيده اشغلت العالمين وقصه مؤثره
الى القصيده
لا تعذليه
لا تـعـذلـيـه فــــإن الــعــذل يـولـعــه && قـد قلـت حقـاً ولكـن لـيـس يسمـعـهُ
جـاوزت فـي لومـه حــداً أضــرّ بــه && مـن حيـث قــدّرت أن الـلـوم ينفـعـهُ
فاستعملـي الرفـق فـي تأنيـبـه بــدلاً && من عذله فهو مضنى القلب موجعهُ
قـد كـان مضطلعـاً بالخطـب يحمـلـه && فضّيـقـت بخـطـوب الـدهـر أضـلـعـهُ
يكفيـه مـن لوعـة التشتـيـت أن لــه && مـن الـنـوى كــل يــوم مــا يـروّعـهُ
مـــا آب مـــن سـفــر إلا وأزعـجــه && رأي إلـــى سـفــر بـالـعـزم يـزمـعـهُ
كـأنـمـا هـــو فـــي حـــل ومـرتـحــل && مـــوكّـــل بــفــضــاء الله يـــذرعـــهُ
إن الزمـان أراه فـي الرحيـل غـنـى && ولو إلى السد أضحـى وهـو يزمعـهُ
ومــا مـجـاهـدة الإنـســان تـوصـلـه && رزقــاً ولا دعــة الإنـســان تقـطـعـهُ
قــد وزّع الله بـيـن الخـلـق رزقـهــمُ && لــم يخـلـق الله مــن خـلـق يضـيـعـهُ
لكنهـم كلفـوا حـرصـاً فلـسـت تــرى && مسترزقـاً وســوى الغـايـات تقنـعـهُ
أستـودع الله فــي بـغـداد لــي قـمـراً && بالكـرخ مــن فـلـك الأزرار مطلـعـهُ
ودّعــتــه وبــــودّي لــــو يـودّعـنــي && صـفــو الـحـيـاة وأنـــي لا أودّعــــهُ
وكم تشبّث بـي يـوم الرحيـل ضحـى && وأدمــعـــي مـسـتـهــلات وأدمــعـــهُ
لا أكـذب الله ثـوب الصـبـر منـخـرق && عــنـــي بـفـرقـتــه لــكـــن أرقــعـــهُ
إنــي أوسّــع عــذري فـــي جنـايـتـه && بالبـيـن عـنـه وجـرمـي لا يـوسـعـهُ
ُرزقت ملكـاً فلـم أحسـن سياستـه && وكـل مـن لا يسـوس الملـك يخلـعـهُ
ومـن غـدا لابسـاً ثـوب النعـيـم بــلا && شــكــر عـلـيــه فــــإن الله يـنـزعــهُ
عسى الليالـي التـي أضنـت بفرقتنـا && جسمـي ستجمعنـي يـومـا وتجمـعـهُ
وإن تــغُــل أحـــــداً مــنـــا مـنـيّـتــه && فـمــا الـــذي بـقـضـاء الله يـصـنـعـهُ

وهذا شرح مختصر لمحي الدين اللاذقاني
استودع الله في بغداد لي قمرا..
الله الله يا ابن زريق ما هو سر ذلك القمر البغدادي الذي فتنت به العالمين حين خلدته بقصيدتك اليتيمة، التي كنت اظنها ستصبح من ثقافة التكايا في عصر الانترنت، لكني ما ان ذكرت ـ عرضا ـ بعض ابياتها حتى تدفقت الرسائل تطالب بها كاملة وكنموذج يرضي غرورك الشعري ويطمئنك على خلود قصيدتك، إليك هذه الرسالة، وهي لواحد من 24 طلبوا القصيدة ذاتها: استراحة الاربعاء السادس من حزيران عن هجرة بن زريق اصابتني في مقتل ليس لانني مهاجر وغريب عن وطني فحسب، بل لان المشاعر والاحاسيس صارت في هذا الزمن بلا طعم ولا معنى، ولقد تبلدت الاحاسيس وماتت المشاعر لذلك اطلب منك شاكرا ان تكرمت، بأن تزيدني من ابيات تلك القصيدة او ترشدني الى الكتاب الذي يمكن ان اجدها فيه فهي ضالتي منذ فترة طويلة ولك التقدير والعرفان.

* ابو القاسم هاشم عبد الله
* ارأيت..؟ كيف اخترق حزنك حجاب الأزمنة والامكنة، وحول قصيدتك الى عنوان للمشاعر والاحاسيس المرهفة التي يعاند القدر اصحابها، فيطلبون العزاء في الشعر، والسلوى في المشاركة الوجدانية لأرواح تشبههم وشاعر ينطق بألسنتهم جميعا من خلف الحجب والغيوم عن تجارب الاغتراب.
منك يا ابن زريق ومن ملايين الذين سحقتهم عجلات زمن خؤون، تعلمنا ان الفقر بوابة المنفى والرزق طير شرود يحط حينا على الارض وفي اغلب الاحيان يطير، اما الباحث عن الرزق، فصياد اعمى تطارده الريح، وتشوي جلده الشمس ويمحو خطاه المطر.
تائها يبدأ طريقه، ومنكسرا منكس الرأس ينهيه هكذا تبدأ الحكايات، وبالطريقة نفسها تنتهي، لدرجة اننا لم نعد نرى فيها جماليات الحزن والخيبات، فالتكرار للعادي والجمال للمتفرد، واين التفرد في قافلة بعرض الكون يغرق افرادها على بوابات الاندلس ويصارعون في عرض البحر على شواطئ استراليا، فإن سافروا جوا مزقوا جوازات سفر «الوطن الأم» في حمامات الطائرة، اما «البريون»، فهم يهرولون يوميا على اطراف القنال الانجليزي ذهابا وايابا بين كاليه ودوفر، طمعا في امتطاء صهوة اليورو، القطار.. وليس العملة، فتلك لها بعد الوصول قصة اخرى.

* لا تعذليه..

* وما لنا ولكل هذه البلاد ما دامت حكايتك تبدأ من بغداد، وبذلك المطلع الذي يخترق القلب كنصل رهيف مثل جميع الحقائق البسيطة على وجه هذه الموغلة في تعقيدها والتي يسمونها خطأ البسيطة.
بسيطة، اترك لهم التسميات، وتعال نمتطي حصان المطلع الذي حملته أرق عتاب وارهف اعتذار في الشعر الكوني كله: ـ لا تعذليه فإن العذل يولعه ـ قد قلت حقا ولكن ليس يسمعه ـ جاوزت في لومه حدا اضر به ـ من حيث قدرت ان اللوم ينفعه ـ فاستعملي الرفق في تأنيبه بدلا ـ من عذله فهو مضني القلب موجعه ـ يكفيه من لوعة التشتيت ان له ـ من النوى كل يوم ما يروعه ـ ما آب من سفر إلا وازعجه ـ رأي الى سفر بالعزم يزمعه ـ كأنما هو في حل ومرتحل ـ موكل بفضاء الله يذرعه ـ قاتله الله ما اعز نفسه هذا البغدادي الحصيف، فهو يستخدم السفر كي يتحاشى الفاظ الفقر والحاجة، ويوحي بالتكثيف الوجودي لتجربة السفر ذاتها، وكأنه ـينتقد ضمنا عروة بن الورد: ـ دعيني للغنى اسعى فاني ـ رأيت الناس شرهم الفقير ـ ولم يكن ابن زريق اشر الناس لكن الفقر وضعه على رأس قافلة الباحثين عن الرزق في العصور كلها، وجميعهم يسعون الى هدف واحد يأخذ اسماء شتى، فتارة هو المجد (ضالة المتنبي) واخرى الطموح، وثالثة الغنى ورابعة الشهرة الى آخر اسماء تلك القائمة الطويلة التي نخدع بها انفسنا قبل الآخرين، وحين ندرك الخدعة يكون الاوان قد فات للبدء من جديد، فالبدايات ـ حتى البدايات ـ لها شروطها واول هذه الشروط الا يكون الانسان مثخنا بالجراح والا يكون مهزوما من الداخل.
ابن زريق ومن خلال شعره لا تبدو آثار الهزيمة الداخلية عليه فهو مستسلم للقضاء وللقدر، ويعرف ان المعطي يرزق الطير في وكناتها، لكن تجربة السفر في حد ذاتها هي غناه الحقيقي اوليس هو وغيره تلامذة في اكاديمية الامام الشافعي فقيه السفر الاكبر والمشجع الامثل على الرحيل في فضاء الدهشة: ـ سافر تجد عوضا عمن تفارقه ـ وانصب فما لذة العيش الا في النصب ـ اني رأيت وقوف الماء يفسده.
ـ ان سال طاب وان لم يجر لم يطب ـ فالاسد لولا فراق الغاب ما اقتنصت ـ السهم لولا فراق القوس لم تصب ـ التبر كالتبن ملقى في أماكنه ـ والعود في ارضه نوع من الحطب ـ ان اهم ما في ابن زريق مع استيعابه لهذه التجربة الثرية ادراكه الداخلي العميق للقسمة والنصيب، فالرزق من وجهة نظره الإيمانية مقسوم والخطوط مكتوبة وأية محاولة للخروج على ذلك المخطوط في اللوح المحفوظ قد تعود على صاحبها بالضياع، لأن الحرص على الرزق والجشع في تحصيله مع العلم بقسمته المسبقة نوع من البغي المرفوض، وهكذا لا يبقى لحفظ ماء الوجه غير التغني بفضائل السفر وغنى الرحلة بغض النظر عن نتائجها المادية.
ـ ان الزمان اراه في الرحيل غنى ـ ولو الى السد اضحى وهو يزمعه ـ وما مجاهدة الانسان توصله ـ رزقا ولا دعة الانسان تقطعه ـ قد وزع الله بين الخلق رزقهم ـ لم يخلق الله من خلق يضيعه ـ لكنهم كلفوا حرصا فلست ترى ـ مسترزقا وسوى الغايات تقنعه ـ والحرص في الرزق والارزاق قد قسمت ـ بغي ألا ان بغي المرء يصرعه ـ والدهر يعطي الفتى من حيث يمنعه ـ إرثا ويمنعه من حيث يطمعه ـ وقبل ان تسأل: لماذا يتفذلك هذا الشاعر كثيرا ليغطي خيباته المديدة..؟
ـ تذكر ان القصيدة يتيمة صاحبها وهي غير «الدرة اليتيمة» التي تفنن بصياغتها عشرون شاعرا عربيا لتنقل مباهجهم بالنساء فهذا الرجل ليس عنده غير حبيبة واحدة يحبها وتحبه، ويعاتبها وتعاتبه، وما كان السفر سهلا في تلك الايام ليحملها على كتفيه ويمضي متجنبا لحظة الوداع التي ظلت تحرق قلبه في ايام السفر الطويل: ـ استودع الله في بغداد لي قمرا ـ بالكرخ من فلك الازرار مطلعه ـ ودعته وبودي لو يودعني ـ صفو الحياة واني لا اودعه
* مشاهد وداعية
* وسنؤجل الحديث عن مشهد الفراق، فالمطلع وحده (لا تعذليه..) يشي بما يليه، ويحضر لذلك المشهد السينمائي المتقن الذي ينقل القارئ من الاستماع الى القصة بالاذن الى المشاهدة القلبية، فميزة الشعر العظيم انه يلمس اوتارا مشتركة في القلب نتيجة للخبرات البشرية ذات الطابع الموحد، ولذلك تصبح لحظة الوداع الوجدانية الخالصة عند ابن زريق طعنة ذات ألق لا تشبه لحظة الوداع التكسبية عند الشعراء المداحين كجرير ـ مثلا ـ ولا نقصد هنا اللامية الخاصة بأمامة: ـ ودع امامة حان عنك رحيل ـ ان الوداع الى الحبيب قليل ـ بل نشير الى الحائية الخاصة بأم حزرة، تلك الزوجة الصريحة التي ترى إبل الممدوح اكثر وسامة منه، فكل صفاته عندها انه ذو مال وابل ويا ويح سيادة يتم اختصارها الى ملكية ذوات الاربع والاصفر الرنان بدل السؤدد والمجد وجلائل الاعمال: ـ تعزت أم حزرة ثم قالت ـ رأيت الموردين ذوي لقاح ـ تعلل ـ وهي ساغبة ـ بنيها ـ بانفاس من الشيم القراح ـ ومن كان مثل جرير لا يسافر متمهلا ليثري التجربة لكنه يستعجل ويزاحم بمنكبيه كمقامر خسر كل شيء ويود استرجاع ماله ويا له من بيت رهيب ذاك الذي يصور المسافر الطامع بالمغامر الخاسر: ـ يعز على الطريق بمنكبيه ـ كما ابترك الخليع على القداح ـ ابن زريق في وداعه وسفره ليس مثل الجشع جرير، وليس في شعره تكلف وداعيات الاعشى الذي يحتال على اللحظة بالسؤال الساذج: ـ ودع هريرة ان الركب مرتحل ـ وهل تطيق وداعا ايها الرجل ـ لا احد يطيقه ـ والله يا حكيم منفوحة ـ باردا وجافا، فما بالك لو كان كوداع ابن زريق تجري منه الدموع وتخرق فيه الاثواب من تشبث حبيبة تريد لحبيبها ان يقيم ـ لا ان يريم في فضاء غير معلوم. ـ وكم تشبث بي يوم الرحيل ضحى ـ وادمعي مستهلات وادمعه ـ الخطأ منك يا ابن زريق فالناس ترحل في الاسحار قبل ان يفيق الاحباب هربا من لحظات الوداع، وانت تنتظر حتى الضحى، هل فقدت عقلك ايها المسافر الذي يخرق قبل اول خطوة تقاليد السفر..؟
بخ بخ يا ابن زريق لن نعذلك، فقد اشبعك عذلا ذاك القمر البغدادي لكن بما انك لا تزال تقض مضاجعنا بقصيدتك التي صنعتها بدل الحروف من حزن مصفى، فلا بد ان نتساءل عن حقيقة وجودك التاريخي، فهل انت مجرد اسم في كتب السير والاخبار ووهم مركب من تخيلات الرواة، ام ان لك جسما وكسما ورسما..؟
الاسبوع المقبل نقلب الاوراق الشخصية لابن زريق ثم نكمل قصيدته الممضة حنانا وحنينا لكن هل اكمال القصيدة سيغوينا باغلاق كتاب السفر..؟


تأخير مشهد الوداع في يتيمة علي بن زريق البغدادي «لا تعذليه...» رغبة دفينة من الشاعر توحي بتفسيرين، فإما انه اراد ان يدفنه في ذلك الصقع النائي من القصيدة ليداري خجله من عواطف ما تعودت الذكورة العربية على التصريح بها ناهيك عن ابرازها، وإما ـ وهذا هو الأرجح ـ انه اراد لذلك المشهد ان يكون واسطة العقد واثمن الجواهر فيه، فالقصيدة كتبت في الاندلس وهم اهل ذوق وتفنن قبل «العقد الفريد» وبعده، وهل صور القصيدة إلا ماسات من فلذات قائليها؟
ان ابن زريق لا يخجل من حنينه، ومن ذا الذي يخجل من الحنين؟ ومع حبه للمشهد الوداعي فقد صوره من جانب المرأة المودعة مكتفيا بالتصريح بلوعة الراحل، ومن يقرأ ندمه الفاجع على ترك الحبيبة والوطن في سبيل هدف غامض يتأرجح بين البحث عن الرزق والمغامرة الاكتشافية، يلمس تقديسا للقيم العائلية، فهو اول شاعر يجعل العائلة مملكة ذات سياسات ويلقي على نفسه ضمنا صفة «المخلوع» دون ان يلوم القوى الخارجية على خلعه، فالفاجعة ذاتية وقرارها شديد الشخصانية والتقريع في هذه الحالة يظل في حدود الذات.
يقول ابن زريق في مشهده الوداعي المخلوط بلوعة الندم منذ المفردة الاولى:
* استودع الله في بغداد لي قمرا
* بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه
* ودعته وبودي لو يودعني
* صفو الحياة وإني لا اودعه
* وكم تشبث بي يوم الرحيل ضحى
* وأدمعي مستهلات وأدمعه
* لا اكذب الله ثوب الصبر منخرق
* عني بفرقته لكن ارقعه
* رزقت ملكا فلم احسن سياسته
* وكل من لا يسوس الملك يخلعه
* ومن غدا لابسا ثوب النعيم بلا
* شكر عليه فإن الله ينزعه
* والآن الى القصة الاساسية، فدونها يصعب التفاعل مع هذه المعاني الفادحة الحزن، والمترعة باللوعة، والقصة ذاتها ليست من التراجيديات الشكسبيرية التي تتعدد اطراف الصراع فيها، وتتشابك تفاصيلها، فهي من بساطتها ـ والبساطة لا تنقض وضوء الاهمية ـ يمكن تلخيصها بعد ان تحولت نارها الى رماد في عدة اسطر لتكتشف بعدها ان رمادها دائم الاشتعال وانها قصتي وقصتك، وقصة جارك وقريبك، بل لعلها قصة البشرية منذ ان حصن اول انسان عائلته داخل كهف حجري ثم خرج يبحث عن الرزق، فتناوشته الذئاب على طريق العودة.
وباختصار، فعلي بن زريق البغدادي رجل فقير، مثقف ومتزوج تجبره ظروف العيش على الارتحال بعيدا عن وطنه بحثا عن الرزق، لكن سوء الطالع يقف له بالمرصاد، ويمنعه من العودة سالما ـ ناهيك عن غانم ـ فيموت في الغربة بعيدا عمن يحب، ويكتب قبل ان تصعد روحه الى بارئها قصيدته الاعتذارية الموجهة الى قمره البغدادي المشع الذي رافقه في ليالي الاغتراب لينير دياجي المنافي ويشهد على تبدلات الايام وتحولات الصور والمعاني.
والقصة كتاريخ اجتماعي وادبي لا خلاف عليها، فأمهات الكتب التي ظهرت في القرنين الرابع والخامس الهجريين تشير الى ارتحال ابن زريق عن بغداد للالتحاق بأبي عبد الرحمن الاندلسي الذي لم يكن عند حسن ظن الشاعر. فالاندلس ـ آنذاك ـ وبعد ان ازدحمت بالمهاجرين المشارقة، لم تكن تحتمل فماً جديداً ينافس على لقمة العيش، وهكذا ازداد ابن زريق فقرا بدل ان يزداد غنى وتحطمت احلامه امامه فلاذ باحضان الشعر ليكتب وداعيته اليتيمة.
* ضرورات الدراما
* ويضيف الرواة بعدا جديدا للمأساة فيقولون ان ابن زريق لم يكتب شعرا سوى هذه القصيدة وانها وجدت تحت وسادته، فقد افتقده ابو عبد الرحمن الاندلسي، وارسل من يبحث عنه فعاد مبعوثوه بالقصيدة دون شاعرها.
وان يكتب ابن زريق رائعته على فراش الموت مسألة مقبولة وجائزة، فحزنه فيها حزن مفارق احرق مراكب الامل، أما ألا يكون له من الشعر سواها، فقول مردود على اصحابه لان القصيدة جيدة السبك، متناسقة التكوين ومتقدمة من حيث الصياغة، لذا يصعب ان تصدق انها القصيدة الاولى والنهائية معا، قد تكون الاخيرة اما ان تكون الاولى والاخيرة، فضرورة درامية وللدراما كالشعر ضروراتها فكيف تؤثر بالناس ان لم تنبش منجم الحزن الجماعي المستعد للتعاطف مع حكاية هي مأساة الاغلبية قبل ان تكون قصة فرد واحد يندب عشا ورزقا ودفئا عائليا حرمته منه الغربة؟
ان ابن زريق يتماهى مع الجميع حين يهجر وسائل الاستهلال المتعارف عليها، ويتوجه الى الزوجة بدلا من الحبيبة، وقد جرت العادة في شعرنا العربي ان يوجه الشاعر الغزل والعواطف الجياشة الى العشيقة، اما الزوجة، فتكفيها حراسة الاولاد، واشادة المجتمع بخلقها العفيف. وليست هذه المخالفة الفنية الوحيدة التي يرتكبها هذا الشاعر المنكوب في تحولاته فهو ايضا يبعد الاطفال عن بؤرة الاهتمام العاطفي، فهم ليسوا «زغب الحواصل» كما في استجدائية الحطيئة الشفافة:
* ماذا تقول لاطفال بذي مرخ
* زغب الحواصل لا ماء ولا شجر
* وهن لسن كزغب القطا كما في اعتذارية حطان بن المعلى الخارجي:
* فلولا بنيات كزغب القطا
* رددن من بعض الى بعض
* لكان لي مضطرب واسع
* في الارض ذات الطول والعرض
* مع ابن زريق العواطف لا تحتاج الى محرضات، فالحزن طافح رقراق، والحسرة على قرار النفي الطوعي تحسها في كل شطر، فكأن الحزن الانساني المصفى ـ لا العادي المبتذل ـ هو الاساس الذي ينهض فوقه كل بيت من ابيات تلك القصيدة الدامعة:
* اعتضت من وجه خلي بعد فرقته
* كأسا اجرع منها ما اجرعه
* كم قائل لي ذقت البين قلت له
* الذنب والله ذنبي لست أدفعه
* اني لاقطع ايامي وانفذها
* بحسرة منه في قلبي تقطعه
* لا يطمئن لقلبي مضجع وكذا
* لا يطمئن له مذ بنت مضجعه
* قد كنت من ريب دهري جازعا فرقا
* فلم اوق الذي قد كنت اجزعه
* واكاد اشك ان ابياتا كثيرة اضيفت الى هذه القصيدة، وهذه عادة عربية اصيلة تقلدها هوليوود هذه الايام، فكل فيلم ينجح يتبعونه بالجزء الثاني والثالث والرابع وجميعها اضعف من الاول، وكل قصيدة تذيع يتفنن الرواة في تزيينها وتجميلها والاضافة إليها استجلابا لاهتمام السامعين، وماذا يريد المغترب الذي يطحنه الحنين ان يسمع غير حديث مرابع الصبا...؟

* ماسات وهزائم
* وهل يستطيع الانسان بعد ان يطفح كأس الخيبات ان يحتمي بغير ذلك الماضي الجميل الذي يشع عن بعد كماسة وسط ركام الانكسارات والهزائم؟
وليس بالضرورة ان يكون الماضي مشعا ومشرقا لكن قبح الحاضر هو الذي يجعله كذلك، فابن زريق وكل من يصبح ماضيه هو مستقبله، سوف يتحايل على ذلك الماضي ويعيد تلوينه وروتشته ـ من رتوش ـ وتشكيل احداثه وصوره ليصبح صالحا لسكن مخيلة تتحايل على صاحبها وتوحي له بأن حبل اللذاذات قد انقطع منذ غادر ذلك الرحم السعيد:
* بالله يا منزل العيش الذي درست
* آثاره وعفت مذ بنت أربعه
* هل الزمان معيد فيك لذتنا
* أم الليالي التي امضته ترجعه
* وبقية القصيدة قد تكون من الاضافات لكني سأثبتها لكل من طلبها كاملة فلا يضير قلعة يائسة ان تفرش دروبها ببعض التفاؤل المحسوب ـ واكاد اقول المجاني ـ لان وداعية علي ابن زريق مكتفية بحزنها الداخلي، ولا تطمح الى تسجيل حكم ومأثورات اضافية بعد ان قامت مبكرا بهذه المهمة في لوحتها الثانية المخصصة لقسمة الارزاق وهو موضوع اتكأ فيه جميع شعراء الضاد على لبيد.
يقول ابن زريق ـ ولعلهم رواته ـ في ختام تلك القصيدة:
* لأصبرن لدهر لا يمتعني
* به ولا بي في حال يمتعه
* علما بأن اصطباري معقب فرجا
* فأضيق الامر ان فكرت اوسعه
* عسى الليالي التي اضنت بفرقتنا
* جسمي ستجمعني يوما وتجمعه
* وان تغل احدا منا منيته
* فما الذي بقضاء الله يصنعه
* ان «اضيق الامر..» لا بد ان يذكرك من باب وقع الحافر على الحافر بالسبيكة الخالدة: «... ما اضيق العيش لولا فسحة الامل»، وفي تلك الفسحة ما من شيء يوازن شراسة الحاضر غير الخيال الذي لا يتذكر الاشياء ـ فذلك عمل الذاكرة ـ انما يعيد تصنيعها ويقلبها، كما الفخار لتنضج على نار الحنين الهادئة لتصبح الصورة شفافة ومثالية ولائقة بحجم الاغتراب وعذاباته، فالحنين «يفلتر» العواطف وينقيها ثم يصبها ليرضي الخيال الجامح في قوالب جديدة لا هي الحقيقة، ولا هي اختها لكنها بنت الوهم الجميل الذي يومئ فنتبعه، ونترك ما سواه... وهل للعطشى وسط الصحارى غير الرجاء والامل وبعض السراب الخجول الذي يشاغلنا قبل الوصول الى تخوم الحقيقة والقاء تلويحة الوداع الاخيرة في السفر الاخير على عالم تذوب وقائعه تحت حوافر الايام ولا يبقى منه ما يستحق الوقوف غير تلك الصور الجامحة الفالتة في اقسى لحظات الحزن من عقال مخيلة عاشقة.

مع تحيات ابومعاذ المطري
lb3oos







آخر تعديل ابومعاذ المطري يوم 25-05-2012 في 04:04 AM.
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
طريقة عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


Loading...


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd Mansour
حقوق النشر محفوظة لمنتدى الحراك الجنوبي